الجامعة الجزائرية على صفيح ساخن: من التضييق إلى المواجهة؟ لم تكن الجامعة الجزائرية يومًا فضاءً صامتًا، بل كانت دائمًا القلب النابض للحركة الطلابية، الصوت الذي يرفض الظلم ويدافع عن حقوق الطلبة والوطن. لكن ما يحدث اليوم يدعو للقلق، فسياسة الترهيب والتضييق التي يمارسها بعض مسؤولي الجامعات والخدمات الجامعية بلغت مستويات غير مسبوقة ، مع تصاعد إحالة الطلبة على المجالس التأديبية، وتسليط أقصى العقوبات ضدهم ، ومحاولات كسر أي صوت يُطالب بالحوار أو يدافع عن الحقوق المشروعة . لم يعد الأمر يتعلق فقط بإجراءات عقابية هنا وهناك، بل أصبح نهجًا متعمدًا لقمع الحركة الطلابية وإضعافها ، وكأن البعض لم يستوعب بعد أن التاريخ لا يرحم من يظلم الطلبة. لطالما حاولت الأنظمة القمعية كسر شوكة الطلبة، وكان الاستعمار الفرنسي أول من جرّب ذلك. واجه الطلبة الجزائريون رصاص المحتل، كما واجهوا محاولاته لطمس هويتهم، فقاوموا في ساحات العلم كما في ساحات القتال . وعندما حاول المستعمر فرض الأمر الواقع، ردّ عليه الطلبة بإضراب 19 ماي 1956 ، الذي كان إعلانًا صريحًا بأن الجامعة ليست بمنأى عن الثورة، بل هي جزء منها، وأن الطلبة مستعدون للتضحية بشهاداتهم العلمية من أجل نيل شهادة أكبر: شهادة الوطن. كانت تلك اللحظة ضربة موجعة للمستعمر ، الذي أدرك أن معركته مع الجزائريين لا تقتصر على الجبال، بل تمتد إلى العقول أيضًا. وبعد الاستقلال، لم تتراجع الحركة الطلابية عن دورها، لكنها تحولت من خندق الثورة إلى خندق البناء . لم يعد السلاح في أيدي الطلبة، بل أصبحت الأفكار هي سلاحهم الجديد، فأصبحوا جزءًا من عملية بناء الدولة الجزائرية، وصوتها في المحافل الدولية، وصمام الأمان في لحظات الأزمات. لم يكن ذلك دورًا اختياريًا، بل كان امتدادًا طبيعيًا لنضالهم، فقد ورثوا من جيل الثورة الإيمان بأن الوطن يحتاج دائمًا لمن يدافع عنه، سواء كان ذلك في ميدان القتال أو في قاعات الدراسة أو في أروقة القرار. ومع مرور الوقت، تغيرت الجزائر، وصار لزامًا على الطلبة أن يواكبوا التغيير. جاء دستور 1989 ليمنح مساحة أوسع للحريات، وكان بمثابة الضوء الأخضر للحركة الطلابية لتأخذ موقعها الطبيعي كقوة اقتراح وتغيير. أصبحت التنظيمات الطلابية أكثر تنظيمًا وتأثيرًا، وتحولت الجامعة إلى فضاء للنقاش السياسي والفكري، ولم يعد الطلبة مجرد متلقين للمعرفة، بل صاروا فاعلين في المشهد الوطني، يدافعون عن حقوقهم، ويحملون مطالبهم إلى أعلى المستويات. لكن هذا الانفتاح لم يدم طويلًا، فسرعان ما دخلت الجزائر في واحدة من أحلك فتراتها، حين عصفت بها أحداث العشرية السوداء. وفي الوقت الذي انهارت فيه كثير من المؤسسات، وباتت الدولة مهددة في وجودها، كانت الحركة الطلابية في قلب المواجهة، تُدافع عن وحدة البلاد، وتُحاول حماية الجامعة من الانزلاق نحو الفوضى . لم يكن ذلك سهلاً، فقد كان الطلبة أنفسهم مستهدفين، سواء من الجماعات المسلحة أو من أطراف أرادت استغلال الفوضى لتحقيق مكاسب خاصة. ومع ذلك، ظلّت الجامعة الجزائرية واحدة من آخر القلاع الصامدة في وجه الانهيار ، بفضل وعي الطلبة وإيمانهم بأن الجزائر أكبر من أي أزمة عابرة. وسط هذه التحولات، كان لابد من إطار طلابي يُوحّد الجهود ويُحافظ على المبادئ الأساسية للنضال الطلابي، فكانت المنظمة الوطنية للطلبة الجزائريين ( ONEA)، التي تأسست في 6 سبتمبر 1998 ، استجابة لحاجة ملحّة إلى تنظيم طلابي يُعبّر عن تطلعات الطلبة، ويحمل على عاتقه مهمة الدفاع عن الحقوق الطلابية والوطنية. منذ يومها الأول، جعلت المنظمة بيان أول نوفمبر 1954 مرجعها الأساسي، وانحازت إلى قضايا الطلبة، بعيدة عن الحسابات الضيقة ، فكانت الصوت الحرّ في الجامعة، والمدرسة التي خرّجت أجيالًا من القيادات الطلابية التي حملت راية النضال بصدق والتزام. لكن، وكما كان متوقعًا، لم يكن الجميع مرتاحًا لوجود صوت طلابي مستقل، فبدأت محاولات الاختراق والإضعاف. حاول البعض إغراء الطلبة بالمناصب والمصالح، فيما لجأ آخرون إلى القمع المباشر، ظنًّا منهم أن إسكات الأصوات الحرة سيكون أمرًا سهلاً . ومع أن بعض القلّة القليلة من التنظيمات الأخرى قد انحرفت عن خط النضال الحقيقي، وفضّلت السير في طريق المصالح الشخصية، إلا أن الغالبية العظمى من أبناء المنظمة الوطنية للطلبة الجزائريين ظلّت متمسكة بمبادئها، وأثبتت أن التنظيمات الطلابية الحقيقية لا تُشترى ولا تُباع . وجاءت لحظة الحقيقة مع الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 ، حين كان الطلبة في الصفوف الأمامية، يهتفون باسم الجزائر، ويرفعون مطالب الشعب بأكمله. لم يكن الحراك مجرد احتجاج عابر، بل كان تأكيدًا على أن الطلبة لا يزالون، كما كانوا دائمًا، الضمير الحيّ للأمة. أثبتت الجامعة أنها ليست منعزلة عن هموم الشعب، وأنها، كما في الماضي، مستعدة لدفع الثمن من أجل الجزائر . لكن، رغم كل هذه التضحيات، يبدو أن بعض المسؤولين لم يستوعبوا الدرس. بدلًا من الاستفادة من التجارب السابقة، عادوا إلى أساليب القمع والتضييق، وكأنهم يعتقدون أن كسر الحركة الطلابية ممكن بالتهديدات والعقوبات. إحالة الطلبة على المجالس التأديبية، تسليط العقوبات القاسية، تهديد النشطاء الطلابيين، كلها مؤشرات على أن هناك من لم يفهم أن القمع لا يُولّد إلا المقاومة، وأن الطلبة الذين واجهوا الاستعمار، وواجهوا الإرهاب، لن يخافوا من قرارات إدارية جائرة . ما يزيد الطين بلّة أن هذه السياسات تُمارَس في خرقٍ واضح لميثاق أخلاقيات المؤسسات الجامعية، الذي يُفترض أن يضمن حرية العمل النقابي، ويُؤكد على ضرورة الحوار كوسيلة لحل النزاعات بدلًا من العقوبات التعسفية . والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تتناقض تمامًا مع تصريحات السيد رئيس الجمهورية ، الذي شدّد في أكثر من مناسبة على أهمية احترام العمل النقابي، وعدم التضييق عليه، وضرورة توفير بيئة جامعية تحترم حقوق الطلبة . السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إلى متى تستمر هذه السياسات الفاشلة؟ هل ينتظر هؤلاء المسؤولون أن تنفجر الجامعة؟ ألا يدركون أن الضغط يولّد الانفجار، وأن الطلبة الذين صبروا طويلًا، قد يصلون إلى نقطة اللاعودة؟! السلطات العليا مطالبة اليوم بالتدخل العاجل قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة، فالتاريخ يُثبت أن الحركة الطلابية عندما تُجبر على المواجهة، فإنها لا تعود أبدًا إلى الوراء .
✍️ بقلم: الأخ لزهاري جلول رئيس المنظمة الوطنية للطلبة الجزائريين – مكتب منطقة بسكرة
اترك تعليقاً